السيد محسن الأمين

154

أعيان الشيعة ( الملاحق )

وأوضح برهان على ذلك تكذيبه حديث ضربة علي يوم الخندق بالاستبعادات والدعاوي الباطلة حتى تعقبه في ذلك صاحب السيرة الحلبية كما فصلناه في بعض حواشي فصل البناء على القبور مع أنه لم يعلم دعواه الوضع في جميعها ( قوله ) ولم يجعلها في درجة الضعيف الا القليل يكذبه ما عرفت في الحديث الثالث انه أورده الحافظ ابن السكن في كتابه السنن الصحاح المأثورة الذي ذكر في خطبته انه لا يذكر فيه الا ما اجمع على صحته ( قوله ) تفرد بها الدارقطني عن بقية أهل السنن يكذبه انه روى جملة منها غير الدارقطني من أهل السنن وغيرهم كالبيهقي والبزاز والطبراني وأبو بكر بن المقرئ والحافظ ابن السكن وابن عدي وأبو يعلى والإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن الجوزي والعقيلي والأزدي وأبو الفتوح وابن أبي الدنيا وابن النجار ويحيى بن الحسن كما عرفت وابن عساكر باعتراف الوهابية ( وإذا ) كان تفرد الراوي بالرواية يوجب طرحها فما بال الوهابية لم يطرحوا حديث أبي الهياج وقد تفرد به رواية على ما عرفته في فصل البناء على القبور ولكن الحديث المؤدي إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم لا يطرح ولو تفرد به رواية اما الأحاديث الكثيرة الدالة على تعظيم النبي ( ص ) واستحباب زيارته الثابتة بالعقل والنقل وإجماع المسلمين البالغ حد الضرورة فتستحق الطرح بدعوى تفرد الدارقطني بها ويلتمس لها الوجوه والتأويلات لطرحها عند الوهابية لأنهم يعظم عليهم تعظيم من عظمه الله ومخالفة قول قدوتهم ابن تيمية وابن عبد الوهاب ( قوله ) والأئمة كلهم يروون بخلافه هذه دعوى كاذبة كالأولى فمن هم الأئمة الذين رووا ان زيارة النبي ( ص ) لا تستحب أو لا يستحب شد الرحال إليها غير ما توهمه الوهابية من أحاديث شد الرحال التي ستعرف في هذا الفصل سخافة توهمهم فيها وقد عرفت ان الأئمة رووا هذه الأحاديث كما رواها الدارقطني ولم يرووا بخلافه وفيهم اجلاء أئمة الحديث كابن حنبل وأبي داود والترمذي والنسائي والطبراني والبيهقي وغيرهم ( وقد ) رويت في ذلك أحاديث كثيرة تكاد تبلغ حد التواتر عن أئمة أهل البيت الطاهر رواها عنهم أصحابهم وثقاتهم بالأسانيد المتصلة الصحيحة موجودة في مظانها ( وتدل ) عليه أيضا الأحاديث الدالة على أن النبي ( ص ) يرد سلام من يسلم عليه التي اعترف بها الوهابية وقدوتهم ابن تيمية ومر طرف منها في المقدمات في حياة النبي ( ص ) بعد موته قال السبكي فيما حكاه عنه السمهودي في وفاء الوفا « 1 » . بعد ذكر ما يدل على أنه ( ص ) يسمع من يسلم عليه عند قبره ويرد عليه عالما بحضوره عند قبره : وكفى بهذا فضلا حقيقا بان ينفق فيه ملك الدنيا حتى يتوصل اليه من أقطار الأرض انتهى ومنه يعلم صحة الاستدلال به على شد الرحال . ( الثالث الإجماع ) من المسلمين خلفا عن سلف من عهد النبي ( ص ) والصحابة إلى يومنا هذا عدا الوهابية قولا وعملا بل إن استحباب زيارة قبور الأنبياء والصالحين بل وسائر المؤمنين ومشروعيتها ملحق بالضروريات عند المسلمين فضلا عن الإجماع وسيرتهم مستمرة عليها من عهد النبي ( ص ) والصحابة والتابعين وتابعيهم وجميع المسلمين في كل عصر وفي كل صقع عالمهم وجاهلهم صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وأنثاهم وانكار ذلك مصادمة للبديهة وانكار للضروري . قال السمهودي في وفاء الوفا « 2 » . نقلا عن السبكي : قال عياض زيارة قبره ( ص ) سنة بين المسلمين مجمع عليها 154 وفضيلة مرغوب فيها انتهى قال السبكي وأجمع العلماء على استحباب زيارة القبور للرجال كما حكاه النووي بل قال بعض الظاهرية وجوبها واختلفوا في النساء وامتاز القبر الشريف بالأدلة الخاصة به ولهذا أقول إنه لا فرق بين الرجال والنساء وقال الجمال الريمي يستثنى اي من محل الخلاف قبر النبي ( ص ) وصاحبيه فان زيارتهم مستحبة للنساء بلا نزاع كما اقتضاه قولهم في الحج يستحب لمن حج ان يزور قبر النبي ( ص ) وقد ذكر ذلك بعض المتأخرين وهو الدمنهوري الكبير وأضاف اليه قبور الأنبياء والصالحين والشهداء انتهى وفي وفاء الوفا « 3 » . كيف يتخيل في أحد من السلف المنع من زيارة المصطفى ( ص ) وهم مجمعون على زيارة سائر الموتى فضلا عن زيارته ( ص ) انتهى وصنف قاضي القضاة الشيخ تقي الدين أبو الحسن السبكي الذي تشهد مؤلفاته بغزارة علمه في القرن الثامن كتابا في فضل الزيارة وشد الرحال إليها ردا على ابن تيمية سماه شفاء السقام في زيارة خير الأنام ونقل عنه السمهودي في وفاء الوفا شيئا كثيرا ونقل عنه غيره ونقلها عنه بواسطة السمهودي وغيره ( ومما [ قال ] ) السبكي في مقدمته على ما حكي عنه ان من أعظم القرب إلى رب العالمين زيارة سيد المرسلين والسفر إليها من أقطار الأرضين كما هو معروف بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على ممر السنين وان مما القى الشيطان في هذا الزمان على لسان بعض المخذولين التشكيك في ذلك وهيهات ان يدخل ذلك في قلوب الموحدين وانما هي نزغة من مخذول لا يرجع وبالها الا عليه ولا يترتب عليها الا ما القى بيده اليه شريعة الله محكمة ظاهرة وشبه الباطل على شفا جرف هائرة انتهى ومر في الباب الأول ما يدل على أن مراده ابن تيمية ( وعن منتهى المقال ) في شرح حديث لا تشد الرحال للمفتي صدر الدين أنه قال فيه ، قال الشيخ الامام الحبر الهمام سند المحدثين الشيخ محمد البرلسي في كتابه اتحاف أهل العرفان برؤية الأنبياء والملائكة والجان : وقد تجاسر ابن تيمية الحنبلي عامله الله بعدله وادعى ان السفر لزيارة قبر النبي ( ص ) حرام وان الصلاة لا تقصر فيه لعصيان المسافر به وأطال في ذلك بما تمجه الأسماع وتنفر عنه الطباع وقد عاد شؤم كلامه عليه ( إلى أن قال ) وخالف الأئمة المجتهدين في مسائل كثيرة واستدرك على الخلفاء الراشدين باعتراضات سخيفة حقيرة فسقط من أعين علماء الأمة وصار مثلة بين العوام فضلا عن الأئمة وتعقب العلماء كلماته الفاسدة وزيفوا حججه الداحضة الكاسدة وأظهروا عوار سقطاته وبينوا قبائح أوهامه وغلطاته انتهى ومر بعض كلامه في حقه في الباب الأول وعن شهاب الدين احمد الخفاجي المصري في نسيم الرياض شرح شفاء القاضي عياض أنه قال بعد ذكر حديث لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد : اعلم أن هذا الحديث هو الذي دعا ابن تيمية ومن تبعه كابن القيم إلى مقالته الشنيعة التي كفروه بها وصنف فيها السبكي مصنفا مستقلا وهي منعه زيارة قبر النبي ( ص ) وشد الرحال اليه وهو كما قيل : لمهبط الوحي حقا ترحل النجب * وعند ذاك المرجى ينتهي الطلب فتوهم انه حمى جانب التوحيد بخرافات لا ينبغي ذكرها فإنها لا تصدر عن عاقل فضلا عن فاضل انتهى . وعن الملا علي القاري في المجلد الثاني من شرح الشفا أنه قال : قد فرط ابن تيمية من الحنابلة حيث حرم السفر لزيارة النبي ( ص ) كما أفرط غيره

--> ( 1 ) صفحة 404 ج 2 ( 2 ) صفحة 412 ج 2 ( 3 ) صفحة 417 ج 2